ابراهيم بن عمر البقاعي

374

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

عندهم من العلم بصدقه بما دل عليه من شاهد العقل وقاطع النقل ، من اليهود وغيرهم وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه بأنفسهم وبإضلال غيرهم بما يلقونه من الشبه من مثل هذه وقولهم كذبا : إن في التوراة أن شريعة موسى عليه الصلاة والسّلام لا تنسخ ، وقولهم : إن الأنبياء لا يكونون إلا من أبناء هارون وداود عليهما الصلاة والسّلام قَدْ ضَلُّوا أي عن الطريق الموصل إلى مقصودهم في حسده ومنع ما يراد من إعلائه ضَلالًا بَعِيداً * أي لأن أشد الناس ضلالا مبطل يعتقد أنه محق ، ثم يحمل غيره على مثل باطله ، فصاروا بحيث لا يرجى لهم الرجوع إلى الطريق النافع ، لا سيما إن ضم إلى ذلك الحسد ، لأن داء الحسد أدوأ داء ؛ ثم علل إغراقهم في الضلال بإضلاله لهم لتماديهم فيما تدعو إليه نقيصة النفس من الظلم بقوله وعيدا لهم : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي ستروا ما عندهم من نور العقل وَظَلَمُوا أي فعلوا لحسدهم فعل الماشي في الظلام بإعراضهم وإضلالهم غيرهم لَمْ يَكُنِ اللَّهُ أي بجلاله لِيَغْفِرَ لَهُمْ أي لظلمهم وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * أي لتضييعهم ما أتاهم من نور العقل ومنابذتهم ؛ ثم تهكم بهم بقوله : إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ أي بما تجهموا من ظلموه . ولما كان المعنى : فإنه يسكنهم إياها ، قال : خالِدِينَ فِيها أي لأن اللّه لا يغفر الشرك ، وأكد ذلك بقوله : أَبَداً ولما كان ذلك مع ما لهم من العقول أمرا عجيبا قال تعالى : وَكانَ ذلِكَ أي الأمر العظيم من كفرهم وضلالهم وعذابهم عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * أي لأنه قادر على كل شيء . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 170 إلى 171 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 170 ) يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 171 ) ولما وضح بالحجاج معهم الحق ، واستبان بمحو شبههم كلها من وجوه كثيرة الرشد ، وأوضح فساد طرقهم ، وأبلغ في وعيدهم ؛ أنتج ذلك صدق الرسول وحقيقة ما يقول ، فأذعنت النفوس ، فكان أنسب الأشياء أن عمم سبحانه في الخطاب لما وجب من اتباعه على وجه العموم عند بيان السبيل ونهوض الدليل ، فقال مرغبا مرهبا يا أَيُّهَا النَّاسُ أي كافة قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ أي الكامل في الرسلية الذي كان ينتظره أهل